عبد الملك الخركوشي النيسابوري

66

تهذيب الاسرار في أصول التصوف

قال أبو سعد : والذي يحتاج إليه في هذا الباب من هذا الحديث ، أن لا يخلو كتاب من الكتب المخرجة في الصحاح ، عن قول جبريل عليه السلام للنبي صلى اللّه عليه وسلم ما الإحسان ؟ وجوابه صلى اللّه عليه وسلم : « أن تعبد اللّه كأنّك تراه ، فإن لم تكن تراه فإنه يراك » « 1 » وهذا هو معنى المشاهدة ، والأصل في ذلك أنّ من عبد اللّه عزّ وجلّ على المشاهدة والرؤية ، وقرن عبادته بالإخلاص والصّفوة ، وحسن النّية ، وصحّة الضمير ، واتقاء الرياء والعجب فيها ، استحقّ بذلك محبّة اللّه عزّ وجلّ ، وقربه وأنسه ورضاه ، وذلك أبلغ المثوبات وأفضل الكرامات . - وسئل بعضهم عن قوله عزّ وجلّ : إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا [ فصلت : 30 ] ، قال : استقاموا على المشاهدة ، لأن من عرف ربّه عزّ وجلّ لا يهاب غيره ، ومن أحبّ شيئا لا يطالع غيره ، فتركوا المنازعة مع اللّه عزّ وجلّ والاعتراض عليه .

--> ( 1 ) الحديث رواه البخاري في صحيحه في كتاب العلم ، وهو حديث مشهور من رواية علقمة بن وقاص الليثي بإسناده إلى عمر بن الخطاب رضى اللّه عنه وجلّ الرواية فيه من هذه الطريق . . قلت ومقصد إيراد المصنف له هنا هو الاستدلال على المشاهدة ، ولكن هذا الحديث يبين ويوضح درجات المعرفة باللّه فأول درجة تشتمل على خمسة أركان ؛ أولها اعتقاد القلب وشهادة اللسان بالوحدانية للّه تعالى ولرسوله صلى اللّه عليه وسلم بالرسالة ، وباقي الخمسة عملا لتصديق ذلك والبرهان عليه ، فالصلاة كما قال نبينا صلى اللّه عليه وسلم « الصلاة نور » لأن الصلاة هي مناجاة العبد لربه فيما بينه وبينه وقال عزّ وجلّ عن نفسه جل شأنه : اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [ سورة النور : 35 ] ، فينسحب هذا النور على من يتوجه إليه بالتعبد والتذلل والخضوع والإيمان به ويتشربه هذا النور حتى يصبح هذا النور له دليلا وقائدا ورائدا إلى رضوان ربه وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ [ سورة النور : 40 ] . وقال نبينا صلى اللّه عليه وسلم : « الصدقة برهان » . . وهذا هو الركن الثالث وسماه برهانا لأن العبد يقطع ما في يديه لربه انقيادا وإسلاما تحت مسمى الزكاة ويقينا منه أن جزاء ربه له على ذلك أوثق عنده مما في يديه فكان يقينه بالغيب أوثق عنده مما ترى عيناه ومما تحوزه يداه فكانت الصدقة بذلك برهانا على يقين هذا العبد . . وقال نبينا صلى اللّه عليه وسلم : « والصوم جنّة » ؛ الجنّة هي الستار والحظار أي الصوم ستر ودرع حصينة بين العبد وبين الهلكة نعوذ باللّه وبوجهه الكريم فالصوم درع حصينة أولا ضد الشهوات والغرائز وهو من أوثق الأعمال إخلاصا للّه حتى إنه سبحانه قال في الحديث القدسي « الصوم لي وأنا أجزى به » فنسبه لنفسه سبحانه ولم يقل سبحانه على أي ركن من أركان الإسلام ذلك . . وقال صلى اللّه عليه وسلم : « الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة » ، وقال صلى اللّه عليه وسلم : « الحجّاج والعّمّار وفد اللّه » ، وقال صلى اللّه عليه وسلم عن الحج : « هو جهاد الكبير والصغير والمرأة » . فمن عمل بالأركان الخمسة واستدام عليها وحاز دائرتها انتقل من هذه الدائرة وهو عامل بها إلى دائرة مركزها نفس المركز لكنها أوسع قطرا ومحيطا وهي دائرة الإيمان والإيمان هو التصديق بالقطع بوجود اللّه وصفاته وأسمائه وملائكته وكتبه التي أنزل ورسله وأنبيائه واليوم الآخر ؛ البعث والصراط والحشر والجنة والنار وأن يؤمن بالقدر خيره وشره . -